صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
105
حركة الإصلاح الشيعي
للمجتهدين الكبار في النجف ، وكان المؤمنون في كل العالم الشيعي يعترفون بسلطتهم ، ولم تكن هذه الرياسة تعود إلى شيخ الإسلام في إسطنبول . وعلى الصعيد المحلي ، كان المجتهدون الذين درسوا في النجف يؤمنّون الإرشاد الديني ، وليس العلماء الذين كان يرسلهم الباب العالي ؛ وسوف نعود إلى هذا الموضوع لاحقا . وأما رجال الدين من رتبة أدنى فكان السكان يستدعونهم للاهتمام بشؤونهم ، فلم يكن أئمة المساجد مثلا ، مسجلين لدى الدولة العثمانية . يقول عبد الحسين شرف الدين إن إمامة هؤلاء : « لم تكن بتوظيف من الحكومة أو من طائفتهم ، وإنما هي بمجرّد أهليتهم وعدالتهم المحرزة في نفوس شعبهم ، بخلاف أئمة المساجد من أهل المذاهب الأربعة الإسلامية ( أي السنة ) ، فإنهم كانوا من قبل موظفين من الحكومة برواتب معينة لهم في سجلاتها الرسمية يتقاضونها كل شهر كسائر الموظفين وكذلك القوّامون على كنائس أهل الكتاب من أحبار اليهود وأساقفة النصارى كانوا موظفين . . . » « 130 » . وتعكس هذه الأسطر القليلة الوضع والموقف الشيعي منه ، فقد كان رجال الدين يستمدون موقعهم والاعتراف بهم من الشعب وليس من الدولة ، فهم عنها مستقلون معنويا وماديا ، وذلك بخلاف ما كان من أمر الجماعات الدينية الأخرى . فكان من المنطق إذن أن يناقش الأمر بين المؤمنين وبين كبار المجتهدين في النجف فيما يتعلق بملء وظيفة رجل الدين . وكان المجتهدون يتدخلون قبل غيرهم باعتبارهم السلطة المعنوية الروحية المفروضة ، بين ممثلي جماعة المؤمنين من الوجهاء وبين رجل الدين العتيد . ثم إنهم كانوا فيما بعد يتوسطون أحيانا لضمان كفاءة رجل الدين . وهكذا فان حاجة سكان البلاد إلى رجل دين كانت تؤمن بوجه من وجهين : الوجه الأول أن ينتظروا أن ينهي أحد طلابهم دراسته ، فإن كان لا يزال في النجف فإنهم كانوا يرسلون له رسالة يطلبون منه فيها أن يتهيأ للعودة ، ويردفونها برسائل موجهة إلى مشايخه ، يطلبون منهم الموافقة على طلبهم ودعمه . وهذا ما حصل تماما لحسن يوسف مكي الذي استدعاه سنة 1891 أهل النبطية ، وكان قد أمضى في النجف أكثر من عشرين عاما في طلب العلم « 131 » . وكان الوجه الثاني لتأمين رجل الدين في التوجه إلى كبار المجتهدين في المدن المقدسة والتماس عطفهم في إرسال أحد طلابهم ، ولم يكن ذلك يمنع الوجهاء المكلفين بإرسال هذا الطلب أن يتحروا عن أسماء العلماء فيقترحون منها من يرغبون بإرسالهم إليهم . وهذا ما كان بعد وفاة موسى شرارة في أيار 1886 ، فقد أرسل جماعة الوجهاء في بنت جبيل برقيات لمحمد حسين الكاظمي ( 1809 - 1890 ) ، وكان عالما شهيرا من أصل عاملي سكن النجف ، يرجونه فيها أن يرسل لهم إما إسماعيل الصدر ( 1842 -
--> ( 130 ) . أنظر : بغية الراغبين المجلد الثاني ص 141 . ( 131 ) . أنظر : نقباء البشر المجلد الأول ص 451 - 452 . أنظر أيضا كتاب رنات الشجن في مراثي الحسن ، المطبعة العثمانية ، بعبدا ، 1325 ه ( 1907 م ) ص 6 و 7 . ولا ذكر للمؤلف في هذا الكتاب .